أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ
أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ
هذا بيان للصنف الثاني ممن يُقدَّم في الإطعام؛ والمعنى: أو أطعم مسكيناً قد لصق بالتراب من شدة فقره. و«المتربة» عند أهل اللغة والتفسير: شدة الفاقة؛ من «التراب»؛ يُقال «ترِب الرجل» إذا افتقر حتى لصق بالتراب، ويقابله «أترب» إذا استغنى حتى صار ماله كالتراب كثرة. وقد فسر أهل التأويل «ذا متربة» بوجوه متقاربة: أنه الذي لا يقيه من التراب شيء، وأنه المطروح على الطريق لا مأوى له، وأنه ذو العيال. والجامع بينها بلوغ الفقر منه غايته. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أقوال أهل التأويل في ذلك. و«المسكين» في اللسان: من أسكنه الفقر وأذلّه؛ من «السكون»؛ فسُمي بذلك لقلة حركته وضعف حيلته.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تمّ بهذه الآية عرض أعمال العقبة؛ فقد استوفى السياق: تحريراً من قيد، وإطعاماً في وقت شدة، ومستحقين اثنين هما أضعف من في المجتمع: يتيم فقد كافله، ومسكين فقد ماله. وفي هذا الاستيعاب رسم لخريطة الضعف في أي مجتمع: من ضاع بفقد العائل، ومن ضاع بفقد المال، ومن ضاع بفقد الحرية. ثم إن هذا المقطع يمهّد للآية بعده؛ إذ ستأتي {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} لتقيّد هذه الأعمال كلها بشرط الإيمان؛ فلا يستقيم أن تُذكر هذه الأعمال ثم تُترك بلا شرط يضبط قبولها.