أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ
أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ
هذا ثاني ما فُسّرت به العقبة؛ والمعنى: أو إطعام الطعام في يوم مجاعة وشدة. و«المسغبة» عند أهل اللغة والتفسير: المجاعة؛ من «سغِب يسغَب سغباً» إذا جاع؛ وقيل: لا يكون السغب إلا الجوع مع التعب. وقد ذكر أهل التفسير أن تقييد الإطعام بيوم المسغبة مقصود؛ لأن الطعام في وقت الشدة أعظم أثراً وأشد على النفس بذلاً؛ إذ يبذل المرء ما هو محتاج إليه لنفسه. ونقل البغوي في معالم التنزيل عند تفسير هذه الآية أن المسغبة المجاعة، وأن اليوم ذو المسغبة يوم يُشتهى فيه الطعام. ويشهد لعظم هذا العمل ما ورد في القرآن من وصف الأبرار: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}؛ فقُيّد الإطعام هناك بكونه على حبّ الطعام، وقُيّد هنا بكونه في يوم مجاعة؛ والمعنى واحد: أن العبرة ببذل ما تتعلق به النفس.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء الإطعام بعد فكّ الرقبة معطوفاً بـ«أو»؛ ففُتح الباب لمن لا يقدر على الأول؛ وهذا من رحمة الشريعة في تنويع أبواب البر بحسب القدرات. ثم إن الآية جاءت مقيّدة بالزمان {فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ}، ثم ستأتي الآيتان بعدها مقيّدتين بالمطعَم: {يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ}؛ فاجتمع في العمل ثلاثة قيود: قيد في الزمان، وقيد في الشخص، وقيد في حاله؛ وكل قيد يزيد العمل شرفاً. وهذا التدرج في التقييد من إحكام النظم؛ إذ ينتقل من العام إلى الخاص حتى يستقر على أدق الصور.