وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ
وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ
هذا تعظيم لشأن العقبة قبل بيانها؛ والمعنى: وأيُّ شيء أعلمك ما هذه العقبة وما عظم شأنها؟ وقد قرر أهل التفسير أن هذا الأسلوب في القرآن يفيد تفخيم أمر ما بعده وتعظيمه وتشويق السامع إليه؛ ونظائره كثيرة: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ}، {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ}، {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ}. وقد فرّق أهل العلم بين ما جاء بصيغة {وَمَا أَدْرَاكَ} وما جاء بصيغة {وَمَا يُدْرِيكَ}؛ فالأول أُتبع بالبيان في القرآن، والثاني بقي على الإبهام. وأشار ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية إلى أن هذا التركيب يُقصد به تهويل الأمر ورفع شأنه في نفس السامع قبل تفصيله. وفي وقوع هذا الأسلوب هنا دلالة على أن أعمال البذل الآتية ليست جزئيات صغيرة كما قد يظنها من يستخفّ بها، بل هي العقبة الكبرى التي عليها مدار النجاة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا الاستفهام بين النعي على من لم يقتحم العقبة وبين بيان ما هي؛ فوقع موقع الفاصل الذي يشدّ انتباه السامع. ولهذا الموقع حكمة بالغة؛ فإن الأعمال التي ستُذكر ــ عتق رقبة وإطعام جائع ــ قد تبدو في نظر المغتر بماله أموراً هينة لا تُعدّ عقبة؛ فجاء التفخيم قبلها ليرفع قدرها في نفسه، ويعلمه أن ثقلها ليس في مقدارها المالي بل في مغالبة النفس عليها. ثم إن هذا الأسلوب يهيئ لما بعده من التفصيل؛ فالنفس إذا تشوّفت إلى الخبر تلقّته بأثر أعمق.