وَأَنتَ حِلٌّ بِهَٰذَا الْبَلَدِ
وَأَنتَ حِلٌّ بِهَٰذَا الْبَلَدِ
هذه الآية معترضة بين المقسم به وتكملته، أو معطوفة عليه في المعنى؛ وقد ذكر أهل التفسير في المراد بها وجوهاً: أشهرها أن المعنى: وأنت يا محمد مستحَلّ في هذا البلد؛ أي أنهم يستحلون منك ما لا يستحلون من صيده وشجره؛ ففيها تعريض بظلمهم وتسلية للنبي ﷺ. والثاني أن المعنى: وأنت حلال لك هذا البلد تصنع فيه ما تشاء ساعة من نهار؛ وهو إخبار بما وقع يوم الفتح؛ ويشهد له ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما في خطبة النبي ﷺ يوم فتح مكة وفيه: «وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ». والثالث أن المعنى: وأنت مقيم حالّ به. ونقل القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية هذه الوجوه. والوجهان الأولان أظهرها وأليقهما بالسياق؛ إذ يجتمع في الآية عتاب على استحلال حرمته ﷺ، وبشارة بأنه سيُمكَّن منه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا الاعتراض في موضعه من القسم لغرض دقيق؛ فإن الإقسام بالبلد قد يُوهم أن شرفه ذاتي مطلق؛ فجاءت هذه الآية لتبين أن حرمته لم تمنع أهله من انتهاك أعظم منها: استحلال دم رسول الله ﷺ وأذاه؛ ففي هذا الاعتراض ربط بين شرف المكان وحرمة الإنسان. ثم إن الآية تمهيد لجواب القسم {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ}؛ إذ ما يلقاه النبي ﷺ في هذا البلد من الأذى صورة من صور الكبد الذي جُبل عليه هذا المخلوق؛ فكأن حاله ﷺ شاهد على القضية قبل تقريرها.