وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ
وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ
هذه النعمة الثالثة وهي أشرفها؛ والمعنى: وبيّنّا له طريقي الخير والشر ودللناه عليهما. وقد ذهب جمهور أهل التأويل من السلف إلى أن «النجدين» طريق الخير وطريق الشر؛ وهو المشهور عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم وعامة المفسرين. وقال بعضهم: النجدان الثديان؛ أي هديناه إلى ثديي أمه يرتضعهما؛ والقول الأول أرجح وعليه الأكثر؛ لأن «النجد» في اللسان هو الطريق المرتفع الواضح، ولأن السياق سياق تكليف واحتجاج لا سياق رضاع، ولأن الآية بعدها جاءت بذكر العقبة وهي من جنس المرتفعات؛ فناسبها ذكر النجد. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية القولين، ورجّح أن المراد طريق الخير وطريق الشر. و«النجد» عند أهل اللغة: ما ارتفع من الأرض وظهر؛ ومنه سُميت «نجد» لارتفاعها على تهامة؛ وسُمي الطريق نجداً لوضوحه وظهوره للسالك.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بهذه الآية يتم مقطع النعم على أكمل وجه؛ فبعد أداة الإدراك وأداة البيان جاءت نعمة التمييز؛ وهي أشرف الثلاث؛ إذ لا ينفع البصر والبيان من لم يُعطَ القدرة على التمييز بين الحق والباطل. ثم إن هذه الآية هي الجسر إلى المقطع الرابع؛ إذ لما ذُكر أنه هُدي إلى النجدين، جاء بعده النعي عليه بأنه لم يسلك النجد الصاعد: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ}؛ فتمّ الاتصال بين الهداية وبين لوم من لم ينتفع بها. ثم إن اختيار لفظ «النجد» بما فيه من الارتفاع مهّد للفظ «العقبة»؛ فالصورة الحسية متصلة في المقطعين.