لَا أُقْسِمُ بِهَٰذَا الْبَلَدِ
لَا أُقْسِمُ بِهَٰذَا الْبَلَدِ
افتتح الله تعالى هذه السورة بالقسم بالبلد الحرام؛ وهو مكة شرّفها الله، بإجماع أهل التفسير. وقد اختلفوا في {لَا} من قوله {لَا أُقْسِمُ} على أوجه: أشهرها أنها زائدة للتوكيد جيء بها لتقوية القسم، وهو مذهب جمهور المفسرين وكثير من أهل اللغة؛ ومنه قول العرب: «لا والله لأفعلن»؛ والثاني أنها نافية لقسم مقدر، أي: ليس الأمر كما تزعمون ثم أقسم؛ فيكون فيها رد على المخاطبين قبل القسم؛ والثالث أنها نفي للقسم على وجه التعظيم؛ أي: لا أقسم بهذا البلد لعظم شأنه ولوضوح الأمر عن أن يُحتاج فيه إلى قسم. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية هذه الوجوه عن أهل التأويل. وقد جاءت السنة ببيان عظم حرمة هذا البلد؛ فروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال يوم فتح مكة: «إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): افتُتحت السورة بالقسم لا بالجواب؛ لأن قضيتها ــ وهي أن الإنسان مخلوق في كبد ــ قضية يخالفها ظاهر حال المترفين ويأباها من ظن أنه في نعمة خالصة؛ فاحتاجت إلى توطئة تُلقي في السامع الاستعداد للتلقي. ثم إن اختيار البلد الحرام للقسم متصل بمقصود السورة اتصالاً وثيقاً؛ فالمكان الذي حُرّم فيه الدم والصيد وقطع الشجر كان أهله يستحلون فيه أذى النبي ﷺ وأصحابه؛ فكان القسم به تعريضاً بهذا التناقض. وهذه الآية مقدمة لأختها بعدها؛ إذ سيُذكر حال النبي ﷺ في هذا البلد نفسه.