فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ
فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ
هذا نعي على الإنسان بعد تعداد النعم؛ والمعنى الراجح عند جمهور المفسرين: فلم يقتحم العقبة ولم يجاوزها. وقد اختلف أهل التأويل في {فَلَا} هنا على وجهين: أشهرهما أنها نافية بمعنى «فلم»؛ لأن العرب تضع «لا» موضع «لم» إذا كان الفعل ماضياً؛ فيكون المعنى الإخبار عن تقصيره؛ والثاني أنها للتحضيض والحث؛ أي: فليقتحم العقبة؛ وقيل: هي دعاء عليه. والقول الأول أرجح؛ لأن السياق سياق نعي وتقريع بعد تعداد النعم، ولأن العرب لا تكاد تنفي بـ«لا» الفعل الماضي إلا مكررة، وقد أُجيب بأن التكرار حاصل معنى بما تلاها من التفصيل. ونقل القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية هذه الوجوه. و«الاقتحام» في اللسان: الدخول في الأمر الشديد بمشقة ومفاجأة؛ من «قحم في الأمر» إذا رمى بنفسه فيه بلا رويّة؛ و«العقبة» الطريق الصعب في الجبل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا النعي في موضعه المحكم؛ فبعد أن أُقيمت الحجة بالنعم الثلاث ــ إدراك وبيان وتمييز ــ لم يبق عذر لمن لم يسلك؛ فجاءت الفاء لتفرّع النعي على ما تقدم. ثم إن هذه الآية مفتاح المقطع الرابع كله؛ إذ سيأتي بعدها تعظيم شأن العقبة بالاستفهام، ثم تفسيرها بأعمال البذل، ثم اشتراط الإيمان معها. ثم إن اختيار «العقبة» بعد ذكر «النجدين» متصل في الصورة؛ فقد قيل له: هُديت إلى طريقين مرتفعين واضحين، فلم تصعد في الطريق الصاعد؛ فالاستعارة ممتدة من الآية إلى الآية.