أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ
أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ
هذا حكم على الموصوفين بما تقدم؛ والمعنى: أولئك الجامعون بين اقتحام العقبة والإيمان والتواصي هم أصحاب اليمين والبركة. وقد ذكر أهل التفسير في «الميمنة» وجهين متلازمين: أحدهما أنها من اليمين؛ أي: الذين يُؤتون كتبهم بأيمانهم ويؤخذ بهم ذات اليمين؛ ويشهد له قوله تعالى: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ}؛ والثاني أنها من اليُمن وهو البركة؛ أي: الميامين على أنفسهم بما قدّموا؛ ويقابله «المشأمة» من الشؤم. ونقل القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية هذين الوجهين. والقولان لا يتنافيان؛ فإن من أُخذ به ذات اليمين فقد بُورك له في عمله؛ فالوصفان متلازمان في المآل. وفي المجيء باسم الإشارة {أُولَٰئِكَ} تنبيه على أن استحقاقهم هذا الوصف إنما هو بسبب ما تقدم من أوصافهم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا الحكم بعد استيفاء الأوصاف كلها؛ فقد ذُكر العمل ثم الشرط ثم الحكم؛ وهذا ترتيب منطقي لا يُتصور غيره. ثم إن هذه الآية أول القسمة الختامية؛ إذ ستُقابل بالآية بعدها في الفريق الآخر. وفي هذا الختام تناسب مع مطلع السورة؛ فقد أُقسم بالبلد وبالوالد وما ولد على أن الإنسان في كبد؛ ثم انتهى الأمر إلى أن هذا الجنس المكابد ينقسم إلى فريقين: من صرف كبده في اقتحام العقبة فكان من أصحاب الميمنة، ومن صرفه في المفاخرة فكان من أصحاب المشأمة؛ فالسورة تبدأ بالجنس الواحد وتنتهي بالفريقين.