كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ
كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ
هذا ردع وزجر، ثم إضراب وتصريح بعلة الاغترار. والمعنى: ارتدعوا عن هذا الغرور، ليس الأمر كما تظنون من أن كرم ربكم يسوّغ لكم التفريط؛ بل الحامل لكم على ذلك تكذيبكم بيوم الجزاء. و«الدين» هنا: الجزاء والحساب؛ يقال: دان يدين ديناً إذا جازى؛ ومنه «كما تدين تدان» أي كما تجازي تُجازى، ومنه «يوم الدين» أي يوم الجزاء. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن المراد بالدين هنا الحساب والجزاء بالأعمال؛ وأن {كَلَّا} ردع للمخاطبين عن اغترارهم. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن هذه الآية هي التي كشفت عن أصل الداء؛ فالاغترار فرع، والتكذيب بالجزاء أصل. وقد كرر القرآن ذكر «الدين» في هذه السورة أربع مرات؛ فصار الكلمة المحورية التي تدور عليها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية بعد استيفاء الحجة بخلق الإنسان؛ فبعد أن أُقيم البرهان الذي لا يُدفع، رُدع المخاطب وكُشف عن أصل دائه. وفي هذا الترتيب منهج بديع في المحاجّة: سؤال، فبرهان، فتشخيص للعلة. فلم يكتف الخطاب بإنكار السلوك، بل نفذ إلى جذره؛ إذ من أسقط الحساب من حسابه هان عليه كل شيء. ثم إن هذه الآية ممهدة لما بعدها من ذكر الحفظة؛ فإن من كذّب بالجزاء يُقام عليه الدليل بأن أعماله محصاة مكتوبة؛ فيكون الرد على تكذيبه بإثبات الوثيقة التي عليها الحساب.