فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ
فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ
المعنى: في أي صورة شاءها لك من الصور ركّبك عليها؛ من طول أو قصر، وحسن أو دونه، وذكورة أو أنوثة، وشبه بأب أو أم أو غيرهما. قال مجاهد: في أي شبه من أب أو أم أو خال أو عم. وقال قتادة: قادر ــ والله ــ ربنا على ذلك. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن {مَّا} في قوله {مَّا شَاءَ} زائدة للتوكيد، وأن المعنى: ركّبك في أي صورة شاء. وقيل: هي شرطية، والتقدير: أي صورة شاء ركّبك فيها. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن الآية سيقت لتقرير أن اختلاف صور الناس وهيئاتهم واقع بمحض المشيئة لا باستحقاق من المخلوق؛ وأن في ذلك أعظم برهان على القدرة؛ إذ الأصل الواحد تتفرع منه صور لا تتناهى.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الجملة بلا فاء عاطفة بخلاف ما قبلها؛ وفي ذلك دقة نظمية بالغة: فالأفعال الثلاثة السابقة كانت أطواراً متعاقبة فناسبتها الفاء، وأما هذه فليست طوراً رابعاً بل بيان لعموم المشيئة في تلك الأطوار كلها؛ فلم تُعطف بالفاء لئلا تُفهم على أنها مرحلة تالية. ثم إن تقديم الجار والمجرور {فِي أَيِّ صُورَةٍ} على الفعل {رَكَّبَكَ} أفاد الاهتمام بالصورة والاختصاص بها؛ إذ هي موضع العبرة. وبهذه الآية تمّ عرض الحجة؛ فيأتي بعدها الردع والتصريح بعلة الاغترار: {كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ}.