وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ
وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ
هذه العلامة الرابعة والأخيرة؛ والمعنى: قُلبت القبور وأُثير ترابها وأُخرج ما في بطنها من الأموات. قال ابن عباس رضي الله عنهما: بُحثت. وقال قتادة: أُخرج ما فيها من الموتى. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن «البعثرة» في كلام العرب بمعنى القلب والإثارة وإخراج ما في الباطن إلى الظاهر؛ يقال: بعثرت المتاع إذا قلبته ونثرته، وبعثرت الحوض إذا هدمته وجعلت أسفله أعلاه؛ وذكر أن «بعثر» و«بحثر» لغتان بمعنى واحد. ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة العاديات: {أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ}، وقوله: {وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ}، وقوله: {فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بهذه الآية تمّ التدرج النازل من أعلى الكون إلى أسفله: سماء تنفطر، وكواكب تنتثر، وبحار تُفجَّر، وقبور تُبعثر. وقد انتهى المشهد عند الموضع الذي فيه الإنسان؛ فبعد أن استعرض السياق انتقاض الكون كله وصل إلى مستقر الميت؛ فكان ذلك أشد إيقاظاً للمخاطب؛ إذ يجد نفسه معنيّاً بالخبر لا مجرد ناظر إليه. وهذه الآية هي الحلقة الموصلة إلى الجواب في الآية بعدها؛ إذ لا يتصور علم النفس بما قدمت إلا بعد خروجها من قبرها. وفي ختم العلامات بالقبور مناسبة لموضوع السورة كله؛ فإن مدارها على تكذيب المخاطبين بيوم الدين، وأصل تكذيبهم إنكار البعث.