ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ
ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ
كرر الاستفهام مرة ثانية مصدَّراً بـ«ثُمَّ»؛ زيادة في التهويل والتعظيم. والمعنى: ثم أي شيء أعلمك ما يوم الجزاء؛ فإن أمره أعظم من أن يُحاط به ولو تكرر السؤال. وذكر أهل التفسير أن التكرار هنا للتوكيد والمبالغة في التفخيم؛ وأن «ثُمَّ» تفيد التراخي في الرتبة لا في الزمن؛ أي أن الجهل بحقيقة ذلك اليوم في المرة الثانية أبلغ وأعظم من الأولى. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن العرب تكرر مثل هذا في مقام التعظيم؛ ونظيره قوله تعالى: {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ}. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن التكرار مع «ثُمَّ» يجعل السؤال الثاني كأنه يفتح باباً على هول أوسع من الأول.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا التكرار بين الاستفهام الأول والبيان الأخير؛ فأدى وظيفة مزدوجة: زاد في التهويل، وأطال التعليق حتى يشتد ترقب السامع للجواب. وهذا من أساليب النظم في تهيئة النفس لتلقي الخبر؛ إذ كلما طال الانتظار عظم وقع المنتظَر. ثم إن اختيار «ثُمَّ» دون الواو مقصود؛ إذ الواو تفيد مطلق الجمع، و«ثُمَّ» تفيد التراخي في الرتبة؛ فأفادت أن الاستفهام الثاني في مرتبة أعلى من الأول. وبهذا التكرار بلغ تعظيم اليوم غايته؛ فناسب أن يأتي البيان في الآية الأخيرة.