الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ
الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ
هذه الآية بيان لأطوار الصنعة في الإنسان؛ وهي حجة سيقت في أثناء التوبيخ. والمعنى: ربك الكريم الذي أوجدك بعد أن لم تكن شيئاً، ثم سوّى خلقك فجعل أعضاءك تامة على أحسن هيئة، ثم عدّل بين أجزائك فجعلها متناسبة متعادلة. قال مجاهد في {فَسَوَّاكَ}: جعلك سوياً سليم الأعضاء. وقال قتادة: عدّلك فجعل خلقك معتدلاً. وفي {فَعَدَلَكَ} قراءتان متواترتان: قراءة الجمهور بتخفيف الدال {فَعَدَلَكَ}، وقراءة الكوفيين عاصم وحمزة والكسائي بتشديدها {فَعَدَّلَكَ}. فمن خفّف فالمعنى: صرفك وأمالك إلى أي صورة شاء، أو جعلك معتدل الخلق. ومن شدّد فالمعنى: سوّى بين أعضائك فجعلها متناسبة لا تفاوت فيها. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن القراءتين متقاربتان في المعنى وأن كليهما حجة. ونظير هذه الآية قوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية موقع البرهان من الدعوى؛ فبعد أن وُبّخ الإنسان على اغتراره أُقيمت عليه الحجة بأقرب شيء إليه وهو نفسه. ولم يُحتج عليه بالسماوات والأرض مع أنها أعظم، بل بخلقه هو؛ لأن ما بين الجنبين أقرب إلى القلب من كل برهان بعيد، ولأن المنة فيه خاصة به فلا يستطيع دفعها. ثم إن ترتيب الأفعال الثلاثة بالفاء يرسم مراحل الصنعة متلاحقة كأن السامع يشهدها. وهذه الآية ممهدة للتي بعدها؛ إذ بعد ذكر الأطوار جاء بيان أن الصورة التي رُكّب عليها لم تكن باختياره بل بمشيئة خالقه.