وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ
وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ
هذا استفهام أُريد به تعظيم شأن ذلك اليوم وتفخيمه وتعجيز الأفهام عن إدراك كنهه. والمعنى: وأي شيء أعلمك ما يوم الجزاء؛ أي إن حقيقته أعظم من أن تبلغها معرفتك. وقد قرر أهل التفسير قاعدة في هذا الباب: أن ما جاء في القرآن بصيغة «وما أدراك» فقد أعلمه الله إياه في الجملة، وما جاء بصيغة «وما يدريك» فلم يُعلمه به؛ وهي قاعدة أغلبية ذكرها جماعة من المفسرين. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن الاستفهام هنا للتفخيم والتهويل؛ وأن المقصود إشعار المخاطب بأن ذلك اليوم فوق ما يتصور. ونظائر هذا الأسلوب في القرآن كثيرة: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ}، {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ}، {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا الاستفهام بعد استيفاء بيان الجزاء؛ فبعد أن ذُكر مآل الفريقين وعُيّن وقته ونُفي انقطاعه، عُظّم اليوم نفسه. وهذا ترتيب بديع: تفصيل ثم تعظيم؛ إذ لو قُدّم التعظيم على التفصيل لما وجد السامع ما يعلّق به تصوره. ثم إن هذا التعظيم يمهد للتكرار في الآية بعده ثم للبيان في الآية الأخيرة. وفي تكرار لفظ «الدين» هنا للمرة الثالثة تثبيت للكلمة المحورية التي تدور عليها السورة كلها؛ فالسورة في حقيقتها مرافعة في إثبات الجزاء.