وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ
وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ
هذه العلامة الثالثة؛ والمعنى: فُجّر بعضها في بعض فذهب الحاجز بينها فصارت بحراً واحداً. قال الحسن: فُجّر عذبها في مالحها ومالحها في عذبها. وقال قتادة: فاضت وامتلأت فذهب ماؤها. وقال الربيع بن أنس: تُفجَّر فتصير بحراً واحداً. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن أصل «التفجير» شقّ الشيء وإسالة ما فيه؛ يقال: فجّر الماء إذا شقّ له مجرى فأساله؛ ومنه: {وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا}، ومنه «الفجر» لانشقاق ضوء الصبح من الظلمة. ونظير هذه الآية قوله في سورة التكوير: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ}؛ فالتسجير هناك يفيد الملء والإيقاد، والتفجير هنا يفيد الشق ورفع الحاجز؛ وهما طوران متعاقبان في حدث واحد. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن رفع البرزخ بين البحار من علامات انتقاض النظام الذي أقامه الله في الدنيا.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل النظر من السماء وكواكبها إلى الأرض وبحارها؛ في تدرج نازل محكم. ووجه ذكر البحار أنها أعظم ما على الأرض من الماء، وأن الله جعل بينها برزخاً لا تبغيان: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ}؛ فرفع هذا البرزخ من أظهر صور انتقاض النظام. ثم إن الآية ممهدة لما بعدها من بعثرة القبور؛ إذ انتقل من سطح الأرض إلى جوفها؛ فبلغ التدرج النازل غايته: سماء، فكواكب، فبحار، فقبور. وهذا الترتيب يقود النظر إلى الموضع الذي فيه الإنسان نفسه؛ فينتهي المشهد عنده لا عند الكون.