يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ
يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ
هذا وصف ثالث للحافظين الكاتبين؛ والمعنى: يعلمون ما تفعلون من خير وشر فيكتبونه على علم لا على ظن ولا تخمين. قال المفسرون: لا يخفى عليهم شيء من أعمالكم. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن هذه الجملة سيقت لتحقيق مطابقة المكتوب للواقع؛ إذ قد يكتب الكاتب ما لم يتحققه؛ فنُفي ذلك بوصفهم بالعلم. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن الجمع بين هذه الأوصاف الثلاثة ــ الحفظ والكتابة والعلم ــ إحكام للحجة من كل جهة. وقد جاء في السنة ما يبين دقة الإحصاء؛ فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن الملائكة تصعد بأعمال العباد فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: «كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟» فيقولون: «تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بهذه الآية تمّ إحكام الحجة على المكذبين؛ فقد سُدّت المنافذ الثلاثة التي يمكن أن يتعلق بها منكر: أن يفوت شيء فلا يُحفظ، وقد دُفع بـ {لَحَافِظِينَ}؛ أو أن يُحرَّف ما كُتب، وقد دُفع بـ {كِرَامًا}؛ أو أن يُكتب على غير تحقق، وقد دُفع بـ {يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}. فلما استُوفيت الحجة انتقل السياق إلى النتيجة وهي قسمة الفريقين في الآيتين بعدها. وفي هذا الترتيب بناء محكم لدعوى قامت على أدلتها ثم انتهت إلى حكمها.