وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ
لما كذّبوا بالجزاء أقيمت عليهم الحجة بإثبات الرقابة المدوّنة. والمعنى: وإن عليكم لملائكة موكلين يحفظون أعمالكم ويحصونها عليكم. قال المفسرون: هم الحفظة من الملائكة الموكلون ببني آدم. ونظير هذه الآية قوله تعالى: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}، وقوله: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ}، وقوله: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ}. وذكر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن الحفظ المذكور يشمل حفظ الأعمال بالكتابة، وقد قيل: يشمل حفظ العبد نفسه من الآفات بأمر الله؛ والأول هو المتبادر من السياق لاقترانه بالكتابة في الآية بعده. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية جواباً عملياً على التكذيب المذكور قبلها؛ فمن كذّب بالجزاء قيل له: إن أعمالك محصاة عليك، والحساب لا يقوم إلا على محصى مكتوب. وهذا من أحكم أساليب الرد؛ إذ لم يُواجه التكذيب بمجرد التكرار للخبر، بل بإثبات وسيلة الإثبات نفسها. ثم إن هذه الآية أول ثلاث جمل متدرجة: حفظ، ثم كرم وكتابة، ثم علم بالمكتوب؛ فسدّت كل ثغرة يتعلل بها المكذّب. وهي أيضاً موضع الصلة بهذه السورة وسورة التكوير قبلها؛ فقد ذكرت التكوير نشر الصحف ولم تذكر كاتبها، وذكرت الانفطار الكاتب؛ فكانت هذه بياناً لأصل ما نُشر هناك.