وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ
وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ
هذه العلامة الثانية؛ وهي تساقط الكواكب وتفرقها بعد انتظامها. والمعنى: تساقطت متفرقة وذهب انتظامها في مواضعها. قال المفسرون: تناثرت وتساقطت من مواقعها كما ينتثر العقد إذا انقطع سلكه فتفرقت حباته. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن أصل «النثر» في اللسان تفريق الشيء وإلقاؤه متفرقاً؛ يقال: نثر الحب إذا بذره متفرقاً، ونثر الدر إذا فرّقه؛ فـ«انتثرت» مطاوع «نثرها». وهذه الآية نظير قوله في سورة التكوير: {وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ}؛ فبيّن اللفظ هنا ما أُجمل هناك؛ إذ الانكدار يحتمل التساقط ويحتمل ذهاب الضوء، والانتثار صريح في التساقط والتفرق. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن ذكر الكواكب بعد السماء جارٍ على ترتيب طبيعي؛ إذ الكواكب زينة السماء، فذُكر الوعاء ثم ما فيه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت الكواكب عقب السماء في ترتيب نازل محكم؛ فبعد أن انتقض البناء انتثر ما كان مركوزاً فيه؛ إذ لا يستقر المزين بعد اختلال ما زُيّن به. وفي هذا الترتيب أيضاً إبطال لما كان يعلّقه بعض الناس على الكواكب من التأثير في الحوادث والآجال؛ فالكوكب الذي يُنسب إليه التدبير ينتثر بنفسه لا يملك لها دفعاً. ثم إن الآية ممهدة لما بعدها من تفجير البحار؛ إذ انتقل النظر من السماء إلى الأرض بعد استيفاء ما في العلو. وتناسق هذه العلامة مع الأولى في صيغة المطاوعة {انفَطَرَتْ} و{انتَثَرَتْ}؛ فجاءتا على نسق واحد في اللفظ والدلالة.