إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ
إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ
بعد استيفاء الحجة على المكذبين انتقل السياق إلى بيان المآل. والمعنى: إن الأبرار وهم أهل الطاعة والصدق والبر لفي نعيم دائم لا ينقطع. و«الأبرار» جمع «بَرّ» أو «بارّ»؛ والبِرّ اسم جامع لكل خير وطاعة. قال الحسن البصري في وصفهم: هم الذين لا يؤذون الذرّ ولا يرضون الشر. وقال بعض السلف: البَرّ من لم يؤذ جاره ولا خادمه. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن «النعيم» هنا الجنة وما فيها؛ وأن التنكير للتعظيم. ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة المطففين: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ}، وقوله في سورة الإنسان: {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا}. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن هذه الجملة إجمال بُسط تفصيله في سورة المطففين بعدها؛ فالسورتان في هذا الباب كالإجمال والتفصيل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الجملة بعد إحكام الحجة بالكتاب؛ فبعد أن ثبت أن الأعمال محصاة ظهرت ثمرتها في تصنيف الناس. وقد قُدّم ذكر الأبرار على الفجار في هذا الموضع؛ بخلاف ما جرى في سورة التكوير حيث قُدّم ذكر الجحيم على الجنة. ووجه التقديم هنا أن السياق سياق تقرير عاقبة بعد إقامة حجة، والبدء بالمبشَّرين أدعى للترغيب بعد الترهيب المتقدم في التوبيخ؛ ولأن تأخير ذكر الفجار مناسب لِما يعقبه من التفصيل في حالهم: {يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ * وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ}؛ فجُعل المتأخر هو الذي يُبسط الكلام فيه.