يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ
يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ
هذا مفصل السورة؛ إذ انتقل الخطاب من الإخبار عن ذلك اليوم إلى مواجهة الإنسان بتوبيخه. والمعنى: أي شيء خدعك وجرّأك على معصية ربك الكريم حتى أهملت حقه وضيّعت أمره. وقد جاء عن السلف في تعيين الغارّ أقوال: فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: غرّه جهله. وقال قتادة: غرّه عدوه المسلّط عليه. وقال الحسن: غرّه شيطانه الخبيث. وقال الفضيل بن عياض: غرّه ستر الله المرخى عليه. وذكر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية هذه الأقوال ووجهها؛ وأن ذكر وصف «الكريم» دون سائر الأوصاف مقصود لتلقين الحجة من وجه وتشنيع الجناية من وجه آخر. وذكر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن النداء بوصف الجنس {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ} يشمل كل مغترّ وإن كان الخطاب متوجهاً أولاً إلى المشركين المكذبين.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية نقلة حادة في السورة من التصوير إلى المحاكمة، ومن الغيبة إلى الخطاب؛ فبعد أن رُسم مشهد اليوم وقُرر أن كل نفس ستعلم، وُجّه الخطاب إلى الفاعل نفسه. وقد جاء النداء بوصف «الإنسان» لا بوصف الإيمان ولا بالاسم؛ لأن المقصود مخاطبة الجنس من حيث هو، وإقامة الحجة عليه بما اشترك فيه الناس جميعاً وهو أصل الخلق. ثم إن هذه الآية مقدمة لازمة لما بعدها؛ إذ الاستفهام عن سبب الاغترار يستدعي بيان ما يوجب ضده؛ فجاءت الآيتان بعدها تعددان النعم التي كان الواجب أن تحمل على الشكر لا على الغرور.