عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ
عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ
هذا جواب الشرط الذي عُلّقت به الجمل الأربع المتقدمة. والمعنى: إذا وقع ذلك كله علمت كل نفس ما قدّمت من عمل وما أخّرت. وقد فسر السلف «ما قدمت وأخّرت» بأقوال متقاربة يجمعها استيعاب العمل كله: فقال ابن عباس رضي الله عنهما: ما قدّمت من عمل وما أخّرت من سنة يُعمل بها بعده. وقال قتادة: ما قدّمت من طاعة الله وما أخّرت من حق الله فضيّعه. وقال الضحاك: ما قدّمت من الخير وما أخّرت من الشر. وقال آخرون: ما قدّمت في حياتها وما أخّرت بعد موتها من أثر. وذكر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن هذه الأقوال ترجع إلى معنى واحد وهو استيفاء الحساب لكل ما صدر عن العبد بمباشرة أو تسبب. ويشهد للمعنى المتعلق بالأثر ما رواه مسلم في صحيحه في كتاب العلم من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء الجواب بعد أربع جمل شرطية فقط؛ بخلاف سورة التكوير التي علّقت النفس بثلاث عشرة جملة. وهذا الإيجاز مناسب لكون هذه السورة معقّبة على أختها؛ فالسامع قد استوفى التفصيل هناك فاكتُفي هنا بالإشارة. ثم إن الجواب هنا أوسع من الجواب هناك في المضمون؛ فهناك: {مَّا أَحْضَرَتْ}، وهنا: {مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ}؛ فالأول نظر إلى ما بين يديها حاضراً، والثاني نظر إلى مصدره تقديماً وتأخيراً؛ فكان الثاني بياناً لكيفية حصول الأول. وهذه الآية هي مفصل السورة؛ إذ ينتهي عندها المقطع الأول ويبدأ بعدها مقطع مخاطبة الإنسان مباشرة.