كِرَامًا كَاتِبِينَ
كِرَامًا كَاتِبِينَ
هذان وصفان للحافظين. فـ{كِرَامًا}: أي كرام على ربهم، شرفاء الأقدار، منزهون عن الخيانة والكذب. و{كَاتِبِينَ}: أي يكتبون أعمال العباد ويدوّنونها. قال المفسرون في وصف الكرم: إنهم كرام لا يفارقون العبد إلا عند الخلاء والغائط والجماع؛ وقيل: كرام على الله بمنزلتهم عنده؛ وقيل: كرام الأخلاق يستحيون من العبد إذا هم بالسيئة. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن الوصف بالكرم يفيد نزاهتهم عن أن يكتبوا ما لم يكن أو يتركوا ما كان؛ فهو توثيق للكتاب من جهة كاتبه. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن اجتماع الوصفين يسدّ باب الطعن في السجل؛ إذ الطعن إما في أمانة الكاتب وقد دُفع بالكرم، وإما في وجود الكتابة أصلاً وقد دُفع بالوصف بالكتابة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): أُفردت هذه الأوصاف بآية مستقلة مع أنها تابعة لما قبلها؛ لتُبقي على وحدة الفاصلة ولتُعطي كل وصف حقه من الوقوف عليه. وقد رُتّبت الأوصاف الثلاثة في الآيات الثلاث ترتيباً محكماً: حفظ، ثم كرم وكتابة، ثم علم بالمكتوب. فالحفظ يفيد أن شيئاً لا يفوت، والكرم يفيد أن الكاتب لا يخون، والكتابة تفيد وجود السجل، والعلم يفيد أن ما كُتب مطابق للواقع. فلم يبق للمكذب منفذ يتعلل به من نسيان أو تحريف أو التباس. وهذا التدرج هو الذي يفضي إلى الآية بعدها ثم إلى قسمة الفريقين.