إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا
إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا
تكمل الآية وجه الحجة ببيان حال النهار: {إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السابعة من سورة المزمل، أن أهل التأويل اختلفوا في المراد بـ"السبح"؛ فروى عن ابن عباس رضي الله عنهما: فراغاً طويلاً لنومك وحاجتك؛ وعن قتادة: فراغاً وبغية ومنقلباً؛ وعن مجاهد: تطوّعاً وفراغاً. ورجّح أن أصل "السبح" الجري والتصرف والتقلب في الأمور؛ فالمعنى: إن لك في النهار تصرفاً طويلاً في حوائجك ومهام رسالتك فاجعل الليل خالصاً لربك. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المعنى: تصرفاً كثيراً وشغلاً منتشراً يمنع من التفرغ لتلاوة القرآن. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن السبح مستعار من سبح السابح في الماء لأنه يتقلب فيه ويجري. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية السابعة من السورة، أن هذا تعليل لتخصيص الليل بالقيام من جهة نفي المزاحم، بعد أن عُلّل من جهة إثبات الخاصية.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت الآية مقابلة للتي قبلها مقابلة تامة: الليل ذو ناشئة أشد وطئاً، والنهار ذو سبح طويل؛ فالأول موطن الجمع، والثاني موطن الانتشار. وبهذا التقابل تمّت العلة لاختيار الليل: أُثبت له ما يصلحه، ونُفي عن النهار ما يصلح به. ثم انتقل السياق بعد ذلك إلى الأوامر القلبية: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ}؛ فبعد أن استقر الوقت جاء بيان ما يُملأ به.