وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا
وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا
يتولى الله بنفسه أمر المكذبين ويخلي نبيه ﷺ منهم: {وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الحادية عشرة من سورة المزمل، أن المعنى: دعني ومن يكذّب بالقرآن من أهل الترف والغنى، فأنا أكفيك أمرهم، وأمهلهم زماناً يسيراً. وروى عن مجاهد وقتادة أن {أُولِي النَّعْمَةِ} هم أهل التنعّم والغضارة من صناديد قريش. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن هذا تهديد شديد لأولئك المترفين، وأن قوله {وَذَرْنِي} فيه تسلية للنبي ﷺ وإعلام بأن الله كافيه. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن جماعة من المفسرين قالوا: نزلت في نفر من صناديد قريش من أصحاب المطاعم، وأن الله أهلكهم يوم بدر؛ فكان الإمهال القليل هو ما بين نزول الآية ووقعة بدر. وبيّن الزمخشري في "الكشاف"، عند تفسير هذه الآية، أن قوله {وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ} من أبلغ ما يُهدَّد به؛ إذ فيه إشعار بأن المتولي لأمرهم هو الله وحده. وذكر ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الحادية عشرة من السورة، أن وصفهم بالنعمة دون الكفر مقصود؛ لأن الترف هو الباعث الأكبر على التكذيب في تاريخ الأمم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تأتي هذه الآية جواباً عملياً للأمر السابق بالصبر والهجر؛ فبعد أن قيل له: كفّ عنهم، قيل له: ولا تظن أن الكفّ إهمال، فأمرهم إليّ. ثم فُصّل ما أُعدّ لهم في الآيات الثلاث بعدها: {إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا * يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ}. فالنظم يسير من التخلية إلى التفصيل؛ ومن الوعد المجمل إلى الوعيد المفصّل. وفي هذا تسلية بالغة للنبي ﷺ؛ إذ كُشف له عن مصير من آذوه قبل أن يقع.