وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا
وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا
بعد ضبط الوقت يأتي بيان ما يُعمر به: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثامنة من سورة المزمل، أن معنى {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ}: دم على ذكره بالتسبيح والتهليل والتحميد، وقيل: صلّ لربك؛ لأن الصلاة أعظم مواضع ذكر اسمه. وروى في {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ} عن ابن عباس رضي الله عنهما: أخلص له إخلاصاً؛ وعن مجاهد: أخلص له العبادة؛ وعن قتادة: انقطع إليه وأخلص له. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن التبتل هو الانقطاع إلى الله بالكلية في العبادة، وأن المراد ليس ترك الدنيا والنكاح؛ فقد نهى النبي ﷺ عثمان بن مظعون رضي الله عنه عن التبتل بذلك المعنى، كما ثبت عند البخاري في "صحيحه"، كتاب النكاح، ومسلم في "صحيحه"، أن النبي ﷺ ردّ على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن التبتل المحمود انقطاع القلب إلى الله مع بقاء البدن في أسبابه. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثامنة من السورة، أن العدول عن "تبتّلاً" إلى {تَبْتِيلًا} في المصدر جاء على غير القياس اللفظي لغرض بلاغي؛ إذ مصدر "تفعّل" هو "التفعّل"، ومصدر "فعّل" هو "التفعيل".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل السياق من التكليف البدني المؤقت (القيام والترتيل) إلى العمل القلبي الدائم (الذكر والتبتل)؛ فالأول له وقت والثاني لا وقت له. ثم جاءت الآية بعدها لتؤسس التبتل على قاعدته العلمية: {رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا}؛ فترتب النظم على: أمر بالذكر، فأمر بالانقطاع، فتقرير للمعروف المنقطَع إليه، فأمر بالتوكل. وهذا بناء متصاعد من العمل إلى المعرفة إلى ثمرتها.