قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا
قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا
بعد النداء الرفيق يأتي الأمر الحازم: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثانية من سورة المزمل، أن المعنى: قم الليل كله للصلاة إلا يسيراً منه، وأن المراد بالقيام قيام الصلاة لا مطلق اليقظة. وذكر أن السلف اختلفوا في مقدار المستثنى؛ فمنهم من جعله الثلث ومنهم من جعله النصف بدلالة الآية بعدها. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن الله أمر رسوله ﷺ بترك التزمل والقيام لعبادة ربه، وأن هذا كان في ابتداء الأمر فرضاً عليه وعلى أمته. وثبت في حديث سعد بن هشام عن عائشة رضي الله عنها عند مسلم في "صحيحه"، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جامع صلاة الليل، أنها قالت: "ألستَ تقرأ: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ}؟ فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام نبي الله ﷺ وأصحابه حولاً، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة". وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن القيام كان واجباً في أول الأمر ثم نُسخ وجوبه بآخر السورة على قول الجمهور. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثانية من السورة، أن نصب {اللَّيْلَ} على الظرفية، وأن الأمر منصبّ على استغراق الظرف بالقيام لا على مجرد إيقاع القيام فيه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء الأمر مباشرة عقب النداء بلا فاصل؛ وهذا الاتصال يفيد أن النداء لم يكن مقصوداً لذاته بل توطئة لهذا الأمر. ثم إن الآية أُجملت في الاستثناء فقيل {إِلَّا قَلِيلًا} من غير تحديد، ففُصّل ذلك في الآيتين بعدها: {نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ}؛ فالنظم قائم على الإجمال ثم التفصيل، وهو من أساليب التمكين للمعنى. ثم عُلّل الأمر كله بعد آيتين: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا}؛ فترتب السياق على ثلاث مراتب: نداء، فأمر، فتعليل.