وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا
وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا
تنتقل السورة إلى منهج التعامل مع أذى المكذبين: {وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية العاشرة من سورة المزمل، أن المعنى: اصبر يا محمد على ما يقول المشركون فيك من الأذى والسبّ والاتهام بالسحر والشعر والكهانة، واهجرهم هجراً لا جزع فيه ولا عتاب. وروى عن مجاهد في {هَجْرًا جَمِيلًا}: أي بلا أذى ولا مقابلة بالسوء. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن الهجر الجميل هو الذي لا عتاب معه ولا مقابلة بمثل ما فعلوا، وأن ذلك كان قبل الأمر بالقتال. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن جماعة من أهل التفسير قالوا: هذه الآية منسوخة بآية القتال؛ وقال آخرون: بل هي محكمة في بابها؛ إذ الهجر الجميل باقٍ المشروعية فيمن لا تُشرع مقاتلته. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآيات، أن الصبر على أذى الناس مع الإحسان إليهم أعلى مقامات الأخلاق وأشقّها على النفوس.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء الأمر بالصبر مباشرة بعد الأمر باتخاذ الله وكيلاً؛ وهذا ترتيب لازم؛ فمن وكّل أمره إلى الله لم يحتج إلى الانتصار لنفسه. ثم أُتبع بالآية بعدها: {وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ}؛ فبعد أن أُمر بالكفّ عنهم أُخبر أن الله تكفّل بأمرهم؛ فليس الكفّ إهمالاً للحق بل إحالة له إلى من هو أقدر عليه. وبهذا يظهر أن الآيات الثلاث كتلة واحدة: توكل، فصبر، فتفويض.