إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا
تكشف الآية عن سرّ التكليف كله وعلّته: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الخامسة من سورة المزمل، أن أهل التأويل اختلفوا في معنى ثقل القول على أقوال متقاربة: فقال الحسن وقتادة: ثقيل والله فرائضه وحدوده؛ وقال مجاهد: ثقيل العمل به؛ وقال قوم: ثقيل وقت نزوله على النبي ﷺ. ورجّح أن اللفظ يحتمل ذلك كله؛ فالقرآن ثقيل في تنزيله وثقيل في تكاليفه وثقيل في ميزان الحق. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المراد القرآن، وأنه ثقيل من جهة ما فيه من الأوامر والنواهي، ومن جهة شدة وقعه على النبي ﷺ حال الوحي. وأصل هذا ثابت في حديث عائشة رضي الله عنها عند البخاري في "صحيحه"، كتاب بدء الوحي، ومسلم في "صحيحه"، حين سئل النبي ﷺ كيف يأتيه الوحي فقال: "أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه عليّ"، وقالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصّد عرقاً. وثبت عن زيد بن ثابت رضي الله عنه عند البخاري في "صحيحه"، كتاب التفسير، أنه كان يكتب الوحي بين يدي النبي ﷺ وفخذُ النبي ﷺ على فخذه، فنزل عليه الوحي فثقلت فخذه على زيد حتى خاف أن ترضّ فخذه. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الخامسة من السورة، أن {ثَقِيلًا} استعارة، إذ الثقل من صفات الأجسام، فاستُعير لعظم الشأن وشدة المؤونة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية هي مفصل السورة الأول؛ إذ جاءت تعليلاً لكل ما سبقها من أوامر: القيام، وتحديد المقدار، والترتيل. فالمعنى: إنما كلّفناك هذا كله لأننا سنحمّلك ما يحتاج إلى هذا الإعداد. ثم جاءت الآية بعدها تعليلاً ثانياً لاختيار الليل بعينه: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً}؛ فترتب السياق على تعليلين متتابعين: تعليل بجسامة المحمول، وتعليل بأصلحية الوقت. وهذا البناء يجعل التكليف مفهوماً معلّلاً لا أمراً مجرداً.