يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا
يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا
يحدد السياق ظرف ذلك العذاب بمشهد كوني مزلزل: {يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الرابعة عشرة من سورة المزمل، أن {تَرْجُفُ} أي تضطرب وتتحرك بمن عليها؛ وأن {كَثِيبًا مَّهِيلًا} هو الرمل المجتمع السائل الذي إذا وُطئ أو أُخذ من أسفله انهال وسقط. وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما: الرمل السائل. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن الجبال تصير كالرمل بعد أن كانت صلدة صلبة، ثم تصير عهناً منفوشاً، ثم تُنسف نسفاً حتى لا يبقى منها شيء. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن "المهيل" من "هِلْت الرمل أهيله" إذا صببته فانصبّ، وأن أصله "مَهْيول" فأُعلّ بنقل الحركة وحذف الواو. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الرابعة عشرة من السورة، أن العدول من المضارع {تَرْجُفُ} إلى الماضي {وَكَانَتِ} لتحقيق وقوع الأمر وتصويره كأنه ماضٍ منقضٍ.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): نقلت الآية المشهد من عذاب المكذبين الخاص إلى الزلزلة الكونية العامة؛ فبعد أن ذُكرت أدوات العذاب ذُكر اليوم الذي تقع فيه، ووُصف بما يهوّل. ثم جاءت الآيات بعدها لتقيم الحجة عليهم: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ}؛ فارتبط التهويل بإقامة البينة. وفي الآية مناسبة دقيقة مع أول السورة: الجبال رمز الثبات والرسوخ، والنبي ﷺ أُمر بأن يثبت أمام أذاهم؛ فكأن السياق يقول: ما يزول من الجبال يوماً لا يستحق أن يُخاف منه اليوم.