أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا
أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا
تتم الآية دائرة التخيير ثم تنتقل إلى كيفية القيام: {أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الرابعة من سورة المزمل، أن المعنى: أو زد على النصف حتى تبلغ الثلثين؛ وأن الأمر في هذا كله للتخيير لا للإلزام بواحد بعينه. ثم ذكر في {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} ما رواه عن ابن عباس رضي الله عنهما: بيّنه تبييناً؛ وعن مجاهد: ترسّل فيه ترسّلاً؛ وعن قتادة والحسن: اقرأه قراءة بيّنة على تؤدة. وثبت في وصف قراءته ﷺ حديث أم سلمة رضي الله عنها عند أبي داود في "سننه" والترمذي في "جامعه"، في أبواب فضائل القرآن: أنها وصفت قراءة النبي ﷺ فإذا هي قراءة مفسّرة حرفاً حرفاً. وثبت عن أنس رضي الله عنه عند البخاري في "صحيحه"، كتاب فضائل القرآن، باب مدّ القراءة، أنه سئل عن قراءة النبي ﷺ فقال: كانت مدّاً، ثم قرأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ} يمدّ بـ"بسم الله" ويمدّ بـ"الرحمن" ويمدّ بـ"الرحيم". ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن الترتيل يكون عوناً على فهم القرآن وتدبره. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن الترتيل مأخوذ من قولهم: ثغر رتل ومرتّل، إذا كان مفلّج الأسنان مستوي النبتة لا تراكم فيه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جمعت الآية بين طرفين: تمام تحديد الكم في {أَوْ زِدْ عَلَيْهِ}، وابتداء تحديد الكيف في {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}؛ فانتقل النظم من مقدار الزمن إلى صفة العمل الواقع فيه. وهذا الانتقال دقيق؛ إذ لا فائدة في طول القيام إن كانت القراءة هذّاً لا يعيه القلب. ثم جاءت الآية بعدها بالتعليل: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا}؛ فارتبط الترتيل بثقل القول ارتباط الوسيلة بالغاية؛ إذ الثقيل لا يُحمل إلا على مهل. ويتصل هذا كذلك بقوله في آخر السورة: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}؛ فبقي الأمر بالقراءة قائماً وإن خُفّف مقدارها.