نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا
نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا
تأتي هذه الآية لتفصّل ما أُجمل في الاستثناء قبلها: {نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثالثة من سورة المزمل، أن {نِّصْفَهُ} بدل من {اللَّيْلَ} المنصوب في الآية قبلها، وأن المعنى: قم نصف الليل، أو انقص من النصف قليلاً فيكون قيامك الثلث ونحوه. وذكر وجهاً آخر: أن {نِّصْفَهُ} بدل من {قَلِيلًا}؛ أي إلا قليلاً هو النصف، والأول أظهر عند جمهور المفسرين لأن النصف لا يُسمى قليلاً في العرف. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن الله خيّر نبيه ﷺ بين هذه المقادير توسعة عليه ورفقاً به. وأوضح القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن هذا التخيير يدل على أن المطلوب ليس تحديد مقدار بعينه بل إحياء جزء معتبر من الليل. وذكر البغوي في "معالم التنزيل"، عند تفسير هذه الآية، أن الضمير في {مِنْهُ} عائد على النصف، أي انقص من النصف قليلاً. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثالثة من السورة، أن هذه المقادير المتدرجة إنما جيء بها لدفع الحرج الذي يقع من ضبط الأوقات بالتقدير الحسي في ليل لا آلة لقياسه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتظم السياق على ثلاث درجات متتابعة: الأصل هو قيام الليل إلا قليلاً، ثم نزل إلى النصف، ثم فُتح باب النقص منه، ثم فُتح باب الزيادة عليه في الآية بعدها. فالنظم يتحرك حركة البندول: صعوداً ونزولاً حول محور النصف؛ وهذا يدل على أن النصف هو المركز المقصود، وما حوله دائرة سعة. ثم يأتي بعد ذلك مباشرة الأمر بالترتيل ثم التعليل بالقول الثقيل؛ فيتضح أن المقصود من ضبط المقدار هو ضبط الزاد لا التضييق.