فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ
فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ
هذا هو التكليف الذي مُهّد له بما تقدم من التأمين والتيسير؛ أي: فعظِ الناس وذكّرهم بما أُنزل إليك. و«التذكير» تنبيه الغافل بما يعلمه أو بما فُطر عليه؛ فهو ليس تعليماً لجاهل من كل وجه، بل إيقاظ لعلم مستقر أو فطرة مغطاة. وذهب أهل التأويل في قوله {إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ} إلى وجوه: أن «إن» شرطية على بابها، والمعنى: ذكّر حيث ترجى المنفعة؛ وأنها بمعنى «قد» أو للتقرير؛ وأن الشرط خرج مخرج التبكيت للمعرضين لا مخرج التقييد الحقيقي. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أقوال أهل التأويل في هذا الشرط. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن الأمر بالتذكير عام، وأن الذكرى نافعة في كل حال لكن أهلها متفاوتون في الانتفاع بها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): موقع هذه الآية من السورة موقع الغاية من كل ما تقدم؛ فقد قُرّرت الربوبية في المقطع الأول، وأُمّن النبي ﷺ على الوحي ويُسّر له طريقه في هذا المقطع؛ فلم يبق إلا أن يُكلَّف بوظيفته: التذكير. وترتيب التكليف على التأمين والتيسير بالفاء ترتيب بديع؛ إذ يشعر بأن التكليف لا يُلقى على كاهل مثقل، بل يُلقى بعد رفع الأثقال. ثم إن هذه الآية مفصل بين مقطعين: فهي خاتمة مقطع الخطاب مع النبي ﷺ، وفاتحة مقطع الكلام عن المخاطَبين؛ إذ يأتي بعدها مباشرة تصنيفهم: {سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى}. وفي تكرار مادة «الذكر» في الآيات الثلاث المتتالية ــ ذكِّر، الذكرى، سيذّكّر ــ ربطٌ لفظي محكم يشدّ المقطعين معاً.