وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ
وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ
هذا تصحيح للميزان الذي اختلّ في الآية قبلها؛ والمعنى: والدار الآخرة خير من الدنيا في ذاتها ونعيمها، وأبقى منها في دوامها وامتدادها. وذهب أهل التأويل إلى أن الجملة حالية أو استئنافية مقررة لبطلان اختيارهم؛ أي: تؤثرون الأدنى والحال أن الآخرة خير وأبقى. وقد جمعت الآية بين وصفين لا ثالث لهما في باب المفاضلة بين متاعين: جودة الجنس، ودوام البقاء؛ فإن الشيء إنما يُفضَّل على غيره إما بذاته وإما بمدته؛ فأثبت للآخرة الفضل في الوجهين. ونقل ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن المعنى: ثواب الآخرة خير من الدنيا وأبقى؛ فهذه فانية وتلك باقية. ونظير المعنى في القرآن قوله في سورة القصص: {وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا ۚ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}، وقوله في سورة الشورى: {وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُوا}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية جواباً محكماً على ما في الآية قبلها؛ فقد ذُكر اختيارهم، ثم أُتبع ببيان فساد هذا الاختيار بميزان عقلي لا يقبل الجدل. والنظم ههنا بالغ الدقة: فقد قوبل وصف الدنيا الواحد ــ وهو القرب المفهوم من لفظ «الدنيا» ــ بوصفين للآخرة: الخيرية والبقاء؛ فكأنه قال: أنتم اخترتم القريب، وهو ليس بخير ولا بباقٍ؛ فخسرتم في الجهتين. وموقع الآية من السورة موقع الحكم بعد الدعوى والدليل؛ ثم جاء بعدها التذييل بالتأصيل: {إِنَّ هَٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ}؛ فأُسند الحكم إلى إجماع النبوات، وهو أقوى ما يُختم به الاحتجاج. ثم إن اختيار الفاصلة {وَأَبْقَىٰ} على الألف المقصورة يبقي السورة على اتساقها الصوتي من أولها إلى آخرها.