وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ
وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ
هذا الموجب الثاني للتسبيح؛ وهو أن الله قدّر لكل مخلوق ما يصلح له من الصفات والآجال والأرزاق والوظائف، ثم هداه إلى ما قُدّر له فلم يتركه حائراً. وقد قُرئ {قَدَّرَ} بتشديد الدال وهي قراءة الجمهور، وقُرئ {قَدَرَ} بتخفيفها وهي قراءة متواترة أيضاً؛ والمعنى فيهما متقارب؛ إذ التشديد يفيد المبالغة في التقدير، والتخفيف يفيد أصله. وذهب أهل التأويل في {فَهَدَىٰ} إلى وجوه متقاربة: أنه هدى كل مخلوق إلى معيشته ومصلحته، وأنه هدى الذكر إلى أنثاه، وأنه هدى الإنسان لسبيل الخير والشر. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل هذه الوجوه، وأن المعنى الجامع: هدى الخلق لما خلقهم له. ونظير المعنى في القرآن قول موسى عليه السلام في سورة طه: {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ}؛ فهو تفسير لهذه الآية بأوضح عبارة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل السياق من الخلق والتسوية إلى التقدير والهداية؛ وهو انتقال من إيجاد الذات إلى تدبير الوظيفة؛ إذ لا يكفي في تمام النعمة أن يوجد المخلوق مستوي البنية، بل لا بد أن يُقدَّر له ما يصلح له ويُدلّ عليه. فالآيتان معاً تستوعبان جانبي الصنعة: جانب البناء وجانب التشغيل. ثم إن مجيء الفعلين على النسق نفسه ــ فعلٌ فَفعلٌ ــ في الآيتين المتتاليتين ينشئ إيقاعاً بنائياً متوازياً يشدّ المقطع بعضه إلى بعض. وموقع هذه الآية من السورة موقع التمهيد الخفي لما بعدها؛ فإن ذكر الهداية العامة في المخلوقات يهيّئ الذهن لقبول الهداية الخاصة التي هي الوحي؛ فمن هدى الحيوان إلى مرعاه لم يترك الإنسان بلا دليل إلى نجاته؛ ولذلك جاء بعد قليل: {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ}.