سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى
وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»): افتتح الله سبحانه هذه السورة بالأمر بالتسبيح؛ والخطاب للنبي ﷺ في ظاهره، وهو متوجه إلى كل مكلَّف في حقيقته. والتسبيح في لسان الشرع: تنزيه الله عن كل نقص وعيب وشريك وشبيه؛ فهو نفي قبل أن يكون إثباتاً، والنفي في باب الصفات مقدَّم لأنه تطهير للتصور قبل تعميره. وذهب أهل التأويل إلى أن المعنى: نزّه ربك الأعلى عما لا يليق به، واذكره بالأسماء الحسنى مقروناً بالتعظيم. وقد ورد في السنة ما يبيّن الوجه العملي لهذا الأمر؛ فروى أبو داود في سننه في كتاب الصلاة، وابن ماجه في سننه في كتاب إقامة الصلاة، من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أنه لما نزلت {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} قال رسول الله ﷺ: «اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ»؛ فمن ثمّ قال أهل العلم إن قول المصلي في سجوده «سبحان ربي الأعلى» مأخوذ من هذه الآية. وثبت أيضاً أن النبي ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية قال: «سبحان ربي الأعلى»، رواه أبو داود في سننه في كتاب الصلاة من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء الأمر بالتسبيح مصدَّراً به السورة؛ وهو افتتاح يليق بمقام تقرير الربوبية؛ إذ التنزيه مقدمة لازمة لكل ما يأتي بعده من ذكر أفعال الله في خلقه؛ فمن لم ينزّه لم يفهم أفعاله على وجهها. ثم إن اختيار وصف «الأعلى» من بين أوصاف الرب مقصود؛ لأن السورة كلها تدور على معنى العلوّ: وحيٌ ينزل من عليائه، وآخرة أعلى قدراً من الدنيا، ونار كبرى، وصحف أولى. وقد وقع في هذا المطلع تمهيد لما بعده على أدق نظام؛ فإن الأمر بالتنزيه يستدعي في نفس السامع سؤالاً: ولِمَ يُنزَّه؟ فجاءت الآيات الأربع بعده تسوق الموجب: خلقٌ وتسوية، وتقديرٌ وهداية، وإنباتٌ وإفناء؛ فصار المطلع دعوى، وما بعده برهانها. وهذا الافتتاح يقابل ختام سورة الطارق قبلها؛ فبعد الوعيد والإمهال جاء التنزيه والتثبيت.