فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَىٰ
فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَىٰ
هذا تمام المشهد؛ فبعد أن أخرج المرعى نضراً أخضر، جعله بعد يبسه هشيماً متفتتاً. و«الغثاء» في اللغة: ما يحمله السيل من الزبد والقمش والورق البالي؛ ثم استُعمل لكل يابس متفتت لا نفع فيه. و«الأحوى» من «الحُوّة» وهي سواد يضرب إلى الخضرة أو الحمرة. واختلف المفسرون في تعلّق {أَحْوَىٰ}: فقيل هو صفة لـ{غُثَاءً}، والمعنى: صيّره هشيماً أسود بعد أن كان أخضر؛ لأن النبات إذا يبس ثم قدم عليه الزمن اسودّ. وقيل: هو حال من {الْمَرْعَىٰ} في الآية قبلها، والمعنى: أخرج المرعى شديد الخضرة حتى يضرب لونه إلى السواد من شدة رِيّه، ثم جعله غثاءً؛ فيكون في الكلام تقديم وتأخير. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية الوجهين معاً عن أهل التأويل. والوجه الأول أظهر في اتساق النظم؛ لأنه لا يحتاج إلى تقديم وتأخير، ولأنه يجعل الآية مشهد فناء تامّاً مقابلاً لمشهد الإنشاء قبله.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية خاتمة للمقطع الأول، وهي أهمّ ما فيه من جهة المقصد؛ إذ لو وقف السياق عند {أَخْرَجَ الْمَرْعَىٰ} لكان الكلام في النعمة وحدها؛ فلما أُتبع بالفناء صار الكلام في النعمة ومآلها معاً؛ وهذا هو الميزان الذي تريد السورة أن تغرسه، والذي تصرّح به في آخرها: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}. فالمقطع الأول يقدّم أنموذجاً محسوساً للدنيا كلها: خضرة تسرّ الناظر، ثم غثاء لا يُلتفت إليه. ثم إن في المقطع بيان كمال القدرة من الوجهين: قدرة الإيجاد وقدرة الإفناء؛ وكلاهما موجب للتسبيح الذي افتُتحت به السورة؛ فمن نزّه الله عن العجز في الإنشاء نزّهه عن العجز في الإعادة.