وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ
وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ
هذه بشارة ثانية للنبي ﷺ بعد بشارة حفظ الوحي؛ والمعنى: ونهيّئك للطريقة اليسرى ونوفّقك لها. و«اليسرى» تأنيث «الأيسر»، وهي الخصلة السهلة السمحة. وذهب أهل التأويل في تفسيرها إلى وجوه متقاربة: أنها الشريعة السمحة السهلة، وأنها العمل الصالح الموصل إلى الجنة، وأنها الحال التي فيها اليسر في الأمر كله. ونقل ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن المعنى: نيسّرك لفعل الخيرات وقول الخير وشرع الشرائع السهلة. والقول الجامع أن اليسرى تشمل يسر الشريعة في أحكامها، ويسر الطريق في تبليغها، ويسر الخُلق في معاملة الناس بها؛ وهي كلها من خصائص هذه الملة؛ كما قال سبحانه: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}، وقال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه البشارة بعد الوعد بحفظ الوحي على أدق ترتيب؛ فإن النبي ﷺ كان مثقلاً بأمرين: خوف فوات الوحي، وثقل التبعة في تبليغه ومواجهة المكذّبين؛ فرُفع عنه الأول بـ{سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ}، ورُفع عنه الثاني بـ{وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ}. فالآيتان معاً تفريغ لقلبه من الشواغل ليتفرغ لما بعدهما من الأمر بالتذكير: {فَذَكِّرْ}. وموقعها من السورة موقع الرابط بين مقام التلقي ومقام التبليغ؛ إذ لا يستقيم تكليف بالتبليغ قبل تأمين على المبلَّغ وتيسير في الطريق. ثم إن ذكر اليسر ههنا يتناسب مع مقصد السورة كله؛ فالسورة تقرر أن الله قدّر فهدى، ومن تمام الهداية أن يجعل الطريق ميسّراً لا معجزاً؛ فاليسر في التكليف من مقتضى الحكمة في التقدير.