وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَىٰ
وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَىٰ
هذا الموجب الثالث للتسبيح؛ وهو إخراج النبات من الأرض. و«المرعى» في اللغة: موضع الرعي، ويُطلق على ما ترعاه الدواب من العشب والكلأ؛ من «رَعَى يَرعَى رَعْياً» إذا حفظ ودأب على الشيء؛ ومنه «الراعي» لحافظ الغنم، و«الرعاية» للحفظ. وذهب أهل التأويل إلى أن المراد ما أنبته الله من الكلأ والعشب لأنعام الناس؛ وقال بعضهم: اللفظ عامّ في كل ما تخرجه الأرض مما يأكله الناس والأنعام؛ لأن الكل مرعى في أصل الوضع. ونقل ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن المعنى: أنبت من الأرض جميع صنوف النبات والزروع. ووجه اتصال هذا بما قبله ظاهر: فإن الله لما ذكر أنه قدّر فهدى، ذكر من مظاهر ذلك التقدير والهداية إخراج الرزق للمخلوقات التي هداها إلى مراعيها؛ فالنعمة نعمتان: هداية إلى الطلب، وتهيئة للمطلوب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء ذكر إخراج المرعى بعد التقدير والهداية على أدق ترتيب؛ فإن الهداية إلى المصلحة لا تتم إلا بوجود المصلحة نفسها؛ فلا معنى لهداية الدابة إلى مرعاها إن لم يكن ثمّ مرعى. وفي اختيار «المرعى» من بين صنوف الرزق ملحظ يناسب أول المخاطبين بالسورة؛ فالعرب أهل إبل وغنم، وحياتهم قائمة على الكلأ ومواقع الغيث؛ فخوطبوا بأقرب النعم إلى تجربتهم اليومية. ثم إن هذه الآية توطئة لازمة للآية بعدها {فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَىٰ}؛ إذ لا يستقيم ذكر الفناء إلا بعد ذكر النضارة؛ فالآيتان مشهد واحد ذو مرحلتين: خضرة ثم هشيم؛ وهو تمثيل مطويّ لعمر الدنيا كله ولعمر الإنسان فيها.