سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ
سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ
هذا بيان لمن ينتفع بالذكرى؛ أي: سيتّعظ بها ويقبلها من في قلبه خشية من الله. و«الخشية» خوف مقرون بعلم وتعظيم؛ ولذلك قال سبحانه: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}؛ فهي أخصّ من مطلق الخوف؛ إذ قد يخاف المرء ما لا يعرفه، ولا يخشى إلا من عرف قدره. وذهب أهل التأويل إلى أن المعنى: سيتذكر بما تذكّره به من يخاف الله ويخاف عقابه؛ فالخشية هي الشرط النفسي الذي يجعل الموعظة تجد في القلب موضعاً. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن أهل الخشية هم المنتفعون بالمواعظ والآيات، وأن غيرهم لا تزيده الذكرى إلا إعراضاً. ونظير المعنى في القرآن قوله في سورة فاطر: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ}، وقوله في سورة ق: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية جواباً ضمنياً عن سؤال يتولّد من الآية قبلها؛ فإذا كان الأمر بالتذكير معلَّقاً بالنفع، فمن الذي ينتفع؟ فأجابت الآية: {سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ}. وفي هذا الجواب تحديد دقيق لمناط الانتفاع؛ فهو ليس الذكاء ولا سعة العلم ولا حسن الاستماع، بل الخشية القائمة في القلب. ثم إن هذه الآية تفتتح مقطع القسمة الذي يمتد إلى قوله {فَصَلَّىٰ}؛ فهي الطرف الأول من ثنائية يقابلها الطرف الثاني في الآية بعدها: {وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى}. وقد قُدّم ذكر المنتفع على ذكر المعرِض؛ لأن المقام مقام تطييب لخاطر النبي ﷺ وبيان أن دعوته لن تذهب سدى؛ فتقديم البشارة على النذارة أوفق للسياق الذي سبقه من التأمين والتيسير.