ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ
ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ
وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»): هذا تمام وصف حال الأشقى في النار؛ أي: لا يموت فيستريح من العذاب، ولا يحيا حياة تنفعه أو يهنأ بها. وهذه أشدّ حال يمكن أن يوصف بها معذَّب؛ إذ الموت راحة، والحياة الطيبة نعمة؛ فمُنع الأمرين جميعاً. وذهب أهل التأويل إلى أن المعنى: لا يموت فيستريح ولا يحيا حياة ينتفع بها. ونظير الآية في القرآن قوله في سورة فاطر: {لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا}، وقوله في سورة إبراهيم: {يَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ}. وقد جاء في السنة ما يبيّن أن أهل النار من أهل التوحيد يُماتون فيها إماتة ثم يُخرجون بالشفاعة؛ فيما رواه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في خروج أهل التوحيد من النار؛ فدلّ ذلك على أن هذا الوصف المذكور في الآية مختص بالكفار المخلَّدين لا بعصاة الموحدين.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية بـ«ثم» لا بالواو ولا بالفاء؛ وفي ذلك دقة في النظم؛ إذ لو جاءت بالفاء لأفادت تعقيباً زمنياً محضاً، ولو جاءت بالواو لأفادت مطلق الجمع؛ فجاءت بـ«ثم» لتفيد التراخي في الرتبة؛ أي: أن حال البقاء بين الموت والحياة أعظم هولاً من مجرد صلي النار. وموقع الآية من السورة موقع الغاية في تصوير عاقبة المعرِض؛ فقد بلغ الوصف منتهاه؛ ولذلك انتقل السياق بعدها مباشرة إلى الفريق المقابل: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ}. وفي هذا الانتقال المفاجئ من أشدّ صور العذاب إلى بشارة الفلاح أثرٌ نفسي بالغ؛ إذ يجد السامع بعد الضيق فرَجاً، فيكون أقبل لما يُعرض عليه من طريق النجاة.