وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ
وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ
هذا تمام وصف المفلح؛ فبعد التزكية ذكرُ اسم الرب ثم الصلاة. وذهب أهل التأويل في المراد بالذكر والصلاة إلى وجوه متقاربة: أن المراد ذكر الله في كل حال ثم إقامة الصلوات المكتوبة؛ وأن المراد التكبير عند الخروج إلى المصلى ثم صلاة العيد؛ وأن المراد وحّد الله وأثنى عليه ثم عبده بالصلاة. ونقل ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن المعنى: عبد الله وحده وأدّى الصلاة في وقتها ابتغاء مرضاة ربه. والذي يجمع هذه الأقوال أن الآية أصّلت ترتيباً في العبادة: يبدأ العبد بذكر ربه بقلبه ولسانه، فينهض هذا الذكر به إلى الصلاة؛ فليست الصلاة عملاً منفصلاً عن الذكر، بل هي ثمرته. وهذا يفسّر ما ورد من الأمر بالذكر عند الدخول في الصلاة؛ وقد كان النبي ﷺ يفتتح صلاته بالتكبير كما هو معلوم في حديث المسيء صلاته الذي رواه البخاري في صحيحه في كتاب الأذان ومسلم في صحيحه في كتاب الصلاة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء ترتيب الأعمال الثلاثة في الآيتين على أدق نظام تربوي: تزكيةٌ للباطن، ثم ذكرٌ يربط القلب بالرب، ثم صلاةٌ تجمع البدن والقلب في عبودية ظاهرة. فبُدئ بالأصل الذي هو حال القلب، ثم بالوسيلة التي هي الذكر، ثم بالثمرة التي هي الصلاة؛ ولو عُكس الترتيب لصارت الصلاة حركات بلا روح. وفي ذكر «اسم الرب» ههنا رجوع إلى مطلع السورة {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}؛ فما أُمر به النبي ﷺ في أولها وُصف به المفلحون في آخرها؛ وهذا من ردّ الأعجاز على الصدور الذي يجعل السورة بناءً مغلقاً محكماً. ثم إن ذكر الصلاة ههنا يمهّد للإضراب الذي يليه {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}؛ فبعد بيان طريق الفلاح جاء بيان ما يصرف الناس عنه.