إِنَّ هَٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ
إِنَّ هَٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ
هذا تذييل ختمت به السورة؛ والمعنى: إن هذا الذي ذُكر لثابت مقرر في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك. واختلف المفسرون في المشار إليه بـ{هَٰذَا}: فقيل هو مضمون السورة كلها؛ وقيل هو ما تقدم قريباً من قوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ} إلى آخر ما ذُكر؛ وقيل هو تفضيل الآخرة على الدنيا خاصة؛ وقيل: المراد المعاني لا الألفاظ. والقول الجامع أن المشار إليه هو الأصول الكبرى التي قررتها السورة: تنزيه الرب، وفلاح المتزكي، وخيرية الآخرة على الدنيا؛ فهذه أصول اتفقت عليها الرسالات كلها ولم تختص بها هذه الشريعة. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية الأقوال في المشار إليه، وأن أظهرها رجوعه إلى ما ذُكر في هذه السورة من المعاني. و«الصحف» جمع «صحيفة»، وهي ما يُكتب فيه؛ ووصفها بـ«الأولى» لتقدمها في الزمان على هذا الكتاب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا التذييل في أنسب موضع؛ فبعد أن قُرّرت الأصول وأُقيمت عليها الأدلة، خُتم بإسنادها إلى إجماع الرسالات؛ وهذا أقوى ما يُختم به الاحتجاج مع أهل الكتاب ومع من كان يسمع بأخبار الأنبياء من العرب. وفيه أيضاً ردّ ضمني على المشركين الذين رموا النبي ﷺ بأنه جاء بما لم تعرفه الأولون؛ فبيّن أن هذه الأصول قديمة قِدَم النبوة نفسها. وموقعه من السورة موقع القفل المحكم؛ إذ يربط ما قُرّر في أولها من الأمر بتسبيح الرب الأعلى بما استقر في صحف الأنبياء الأولين؛ فالسورة تفتتح بأمر وتُختم بتأصيل، ويكون ما بينهما مبنياً على الطرفين. ثم إن هذه الآية تمهيد ضروري للآية الأخيرة التي تعيّن هذه الصحف بأصحابها؛ فجاء الإبهام أولاً ثم البيان، وهو أسلوب مطّرد في هذه السور.