بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا
بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا
هذا إضراب انتقل به السياق من وصف الفريقين إلى مواجهة المخاطبين بعلّة الداء؛ والمعنى: بل تقدّمون الحياة العاجلة وتختارونها على الآخرة. و«الإيثار» تقديم الشيء على غيره واختياره عليه؛ من «آثره» إذا فضّله؛ ومنه {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} أي يقدّمون غيرهم على أنفسهم. و«الدنيا» تأنيث «الأدنى» من «الدنوّ» وهو القرب، أو من «الدناءة» وهي الخسّة؛ والمعنيان صحيحان: فهي قريبة عاجلة، وهي دنيئة في مقابل الآخرة. وقد قُرئت الآية بالتاء {تُؤْثِرُونَ} على الخطاب وهي قراءة الجمهور، وبالياء {يُؤْثِرُونَ} على الغيبة وهي قراءة متواترة أيضاً؛ فعلى الخطاب يكون توبيخاً مباشراً للحاضرين، وعلى الغيبة يكون إخباراً عن حال المعرضين المذكورين قبل. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية القراءتين ووجه المعنى فيهما. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن هذا هو الداعي إلى ترك الآخرة: إيثار العاجلة على الآجلة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): موقع هذه الآية من السورة موقع التشخيص بعد العرض؛ فقد عُرض في السورة كل ما تقوم به الحجة: ربوبية ظاهرة، ووحي محفوظ، وطريق ميسّر، وتذكير مبذول، ومآلان مبيّنان؛ ثم بقي سؤال: فلماذا يُعرض المعرضون؟ فجاءت الآية بالجواب القاطع: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}. فليست العلة نقصاً في البيان ولا خفاءً في الدليل، بل خللاً في الترجيح والاختيار. وفي الالتفات من الغيبة إلى الخطاب على قراءة الجمهور نكتة بالغة: فقد كان الكلام عن الأشقى بضمير الغائب، فلما جاء موضع التبكيت وُوجه المخاطبون مواجهة؛ وهذا أشدّ في التقريع وأوقع في النفس من الإخبار. ثم إن هذه الآية تمهّد لختام السورة؛ إذ بعد كشف الداء جاء الدواء: تصحيح الميزان بأن الآخرة خير وأبقى، ثم تأصيل ذلك في الصحف الأولى.