سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ
سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ
انتقل الخطاب من تقرير الربوبية إلى تطمين النبي ﷺ في أخصّ ما يعنيه، وهو حفظ الوحي. والمعنى: سنجعلك قارئاً لهذا القرآن حافظاً له، فلا تنساه بعد أن نُقرئك إياه. وقد كان النبي ﷺ في أول الأمر يجهد نفسه في متابعة جبريل عليه السلام مخافة أن يفوته شيء من الوحي؛ فنزل هذا الوعد يرفع عنه ذلك الجهد. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل أن النبي ﷺ كان يعجل بقراءة ما ينزل عليه مخافة النسيان، فوعده الله أن يقرئه فلا ينسى. ونظير هذه الآية في القرآن قوله في سورة القيامة: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ}، وقوله في سورة طه: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ}؛ فالمعنى واحد في المواضع الثلاثة: كفاية إلهية تُغني عن الاجتهاد البشري في التحصيل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية بعد المقطع الأول على أدق مناسبة؛ فقد قُرّر هناك أن الله خلق فسوّى وقدّر فهدى؛ ومن كان هذا شأنه في تدبير الخلق فهو أقدر على أن يتولى حفظ كلامه في صدر نبيه. فالوعد بحفظ القرآن نتيجة لازمة لما تقدم من صفات الربوبية، لا خبراً منفصلاً عنها. وموقعها من السورة موقع الانتقال من الحديث عن الرب إلى الحديث عن الوحي؛ وهما ركنا الدين. ثم إن هذه الآية تفتتح مقطعاً كاملاً في تثبيت النبي ﷺ: تأمينٌ على الوحي، ثم ردٌّ للأمر إلى المشيئة، ثم تعليلٌ بإحاطة العلم، ثم بشارةٌ بالتيسير، ثم أمرٌ بالتذكير؛ فالمقطع كله بناء متدرج ينتهي بتكليفه ﷺ بوظيفته بعد أن رُفع عنه ما يشغله عنها.