إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ
إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ
وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»): هذا استثناء عقّب به الوعد المتقدم؛ والمعنى: فلا تنسى شيئاً مما نقرئك إلا ما شاء الله أن تنساه. ثم عُلِّل بأنه سبحانه يعلم ما ظهر وما بطن؛ فتدبيره في الإنساء والتثبيت واقع على أتم علم وحكمة. وذهب المفسرون في هذا الاستثناء إلى وجوه: أولها أنه استثناء لبيان أن الحفظ ليس بقوة النبي ﷺ بل بمشيئة الله؛ فهو استثناء لتحقيق التعليق بالمشيئة لا لوقوع النسيان. وثانيها أن المستثنى ما شاء الله أن يرفع تلاوته من المنسوخ. وثالثها ما يعرض للبشر من النسيان الطارئ الذي لا يُخلّ بحفظ الوحي؛ وقد ثبت من ذلك في السنة ما رواه البخاري في صحيحه في كتاب الصلاة ومسلم في صحيحه في كتاب المساجد من قوله ﷺ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ». وروى البخاري في صحيحه في كتاب فضائل القرآن ومسلم في صحيحه في كتاب صلاة المسافرين من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقرأ في المسجد فقال: «رَحِمَهُ اللَّهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِي آيَةً كُنْتُ أُنْسِيتُهَا».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): موقع هذا الاستثناء من النظم موقع الاحتراز الذي يحمي الوعد من أن يُفهم على وجه الاستقلال؛ فلو وقف الكلام عند {فَلَا تَنسَىٰ} لأوهم أن الحفظ صار وصفاً ذاتياً للنبي ﷺ لا يتوقف على مدد؛ فجاء الاستثناء ليقرر أن الأمر معلَّق بالمشيئة في كل لحظة. وهذا أصل مطّرد في القرآن: تعليق كل عطاء بمشيئة المعطي؛ كقوله في سورة هود: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ}. ثم إن التذييل بـ{إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ} تعليل بديع؛ إذ يبيّن أن التصرف في الإثبات والإنساء صادر عن علم محيط لا عن مصادفة؛ وهو أيضاً تمهيد لما يأتي في السورة من قسمة الناس بحسب سرائرهم: {سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ}؛ فمن أحاط علمه بالخفي عرف من يخشى ممن يعاند.