الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ
وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»): شرع سبحانه في بيان موجب التسبيح؛ فذكر أول أفعاله في المخلوقات: الخلق ثم التسوية. و«الخلق» في أصل اللغة: التقدير على مثال؛ يقال: «خلق الأديم» إذا قدّره للقطع قبل أن يقطعه؛ ثم غلب في الإيجاد بعد العدم. و«التسوية»: جعل الشيء مستوياً معتدلاً متناسب الأجزاء، لا نقص فيه ولا اضطراب. وذهب أهل التأويل إلى أن المعنى: خلق كل شيء فأتقن صنعته وعدّل قامته وأحسن صورته. والمخلوق ههنا عامّ يشمل كل ما سوى الله؛ وقال بعض المفسرين: المراد الإنسان خاصة بقرينة قوله في مواضع أخرى: {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ}؛ والأول أعمّ وأليق بمقام الاستدلال على التنزيه؛ إذ المقصود عموم القدرة لا خصوص نوع. ونظير هذا المعنى في القرآن قوله في سورة السجدة: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ}، وقوله في سورة الملك: {مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية أول موجبات التسبيح؛ لأن الخلق أول ما يواجه العقل من آثار الربوبية. وفي ترتيب الفعلين نكتة: فلم يقل «خلق وسوّى» بالواو التي تفيد مطلق الجمع، بل بالفاء التي تفيد الترتيب والتعقيب؛ ليتبيّن أن التسوية ليست فعلاً منفصلاً عن الخلق ولا لاحقاً به بعد نقص، بل هي تمامه المتصل به. ثم إن هذه الآية تفتتح سلسلة من أربع جمل موصولة تتصاعد في بيان التدبير: من إيجاد الذات، إلى تقدير الوظيفة، إلى إخراج الرزق، إلى تصييره إلى الفناء؛ وهو ترتيب يستوعب دورة الوجود كلها. وموقعها من السورة موقع الأساس؛ إذ يُبنى عليها ما يأتي في آخر السورة من الاحتجاج على البعث ضمناً وعلى خيرية الآخرة؛ فمن خلق وسوّى قادر على أن يعيد ويجازي.