وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى
وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى
هذا الطرف الثاني من القسمة؛ أي: ويبتعد عن الذكرى ويتنكّب طريقها من هو أشقى الناس. و«التجنّب» في اللغة: الأخذ في جانب آخر بعيداً عن الشيء؛ من «الجَنْب» وهو الناحية؛ يقال: «جنّبه الشيءَ» إذا أبعده عنه، و«تجنّبه» إذا صار في جانب غيره. و«الأشقى» اسم تفضيل من «الشقاء» وهو ضد السعادة. وذهب أهل التأويل إلى أن المراد الكافر المعرِض الذي كُتب عليه الشقاء؛ فسمّاه الله أشقى لأنه اختار لنفسه أشدّ العواقب. والضمير في {يَتَجَنَّبُهَا} عائد على {الذِّكْرَىٰ} المذكورة في الآية التاسعة. ونقل ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن المعنى: يتجنب الذكرى ويبتعد عنها الشقيّ. ونظير المعنى في القرآن قوله في سورة المدثر عن المعرضين: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ}؛ فصوّر إعراضهم فراراً لا مجرد تركٍ.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية مقابلة تامة للآية قبلها في اللفظ والمعنى؛ فقُوبل {سَيَذَّكَّرُ} بـ{وَيَتَجَنَّبُهَا}، و{مَن يَخْشَىٰ} بـ{الْأَشْقَى}؛ فالقسمة تامة لا يخرج عنها أحد. وفي هذا التقابل حكمة بالغة: أن جعل الخشية في مقابل الشقاء لا في مقابل الجرأة، وهو ما يقتضيه ظاهر التقابل؛ فأفاد أن ترك الخشية شقاء في نفسه لا مجرد سبب للشقاء. وموقع الآية من السورة موقع الافتتاح لبيان مآل المعرضين؛ فقد جاء بعدها وصف مصيره في آيتين: {الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَىٰ * ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ}؛ ثم عاد السياق إلى ذكر الفريق الأول بمآله: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ}؛ فتمّ البناء على نسق: وصفٌ ووصف، ثم مآلٌ ومآل.