قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ
قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ
وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»): عاد السياق إلى الفريق الأول ليبيّن مآله بعد أن بيّن مآل الأشقى. و«الفلاح» في اللغة: الفوز والبقاء في الخير والنجاة؛ من «فَلَحَ» بمعنى شقّ؛ ومنه «الفلّاح» للحرّاث لأنه يشقّ الأرض؛ فكأن المفلح شقّ طريقه إلى مطلوبه. و«التزكّي» التطهّر والنماء؛ من «زكا الزرع» إذا نما، و«زكت النفس» إذا طهرت؛ فالمادة تجمع بين التطهير من النقص والنماء بالكمال. وذهب أهل التأويل في {تَزَكَّىٰ} إلى وجوه: أنه التطهّر من الشرك والمعاصي؛ وأنه العمل الصالح؛ وأنه إخراج الزكاة؛ وقال جماعة من السلف: المراد زكاة الفطر يخرجها العبد ثم يخرج إلى صلاة العيد؛ ووجّهوه بأن الآية بعدها {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ}، وبأن النبي ﷺ كان يقرأ بهذه السورة في العيدين كما تقدم في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما عند مسلم. والقول الجامع أن اللفظ عامّ يشمل كل تطهير للنفس، وزكاة الفطر داخلة فيه دخول الفرد في الجنس لا على وجه الحصر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية في مقابلة مصير الأشقى مقابلةً تامة؛ فبعد أن ذُكرت النار الكبرى وحال من لا يموت فيها ولا يحيا، جاء ذكر الفلاح؛ وهو أجمع لفظ في الخير كما أن ما قبله أجمع لفظ في الشر. وتصدير الجملة بحرف التحقيق {قَدْ} مقصود؛ لأن المقام مقام تثبيت للمؤمنين في مقابل ما أُلقي من التهويل؛ فناسب أن يُحقَّق لهم الوعد بأداة التحقيق. ثم إن هذه الآية وما بعدها تحدّدان مضمون طريق النجاة في ثلاث خطوات مرتبة: تزكية للنفس، ثم ذكرٌ لاسم الرب، ثم صلاة؛ وهذا الترتيب يقابل ما تقدم في السورة من ترتيب: فقد افتُتحت بالأمر بتسبيح اسم الرب الأعلى، وجاء ههنا أن الفائز من ذكر اسم ربه فصلّى؛ فارتبط الختام بالمطلع ارتباطاً محكماً.