فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا
فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا
هذا ختام السورة، وفيه أمر النبي ﷺ بالإمهال؛ أي: لا تستعجل عليهم بالدعاء بالهلاك ولا بطلب العقوبة، وأنظرهم مدة يسيرة؛ فإن أمر الله آتٍ. و«رويداً» تصغير «رُود»؛ والرَّود في اللغة: المهلة والتؤدة؛ يقال: «رُويداً» أي على مهلٍ وتؤدة، ويقال: «أرود في السير» إذا رفق فيه. وذهب أهل التأويل إلى أن المعنى: أمهلهم قليلاً. وقال بعض المفسرين: هذا الأمر منسوخ بآية السيف، وقال المحققون: ليس بمنسوخ، بل هو أمر مؤقت بمرحلته، وقد وقع مقتضاه؛ فإن الله أمهلهم حتى جاء يوم بدر فأخذهم؛ فالحكم باقٍ في بابه، والعمل بمقتضاه في كل مرحلة استضعاف. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن في الآية وعيداً شديداً للكافرين، وتسلية للنبي ﷺ بأن مهلتهم قصيرة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء ختام السورة على أتم اتساق مع مقاصدها؛ فقد قررت السورة أن على كل نفس حافظاً، وأن الرجع واقع، وأن السرائر ستُبلى، وأن القرآن قول فصل، وأن كيد الله فوق كيدهم؛ فلم يبق إلا بيان الموقف العملي في انتظار تحقق ذلك كله؛ فكان الأمر بالإمهال. وفي هذا الختام مطابقة بديعة للمطلع: فقد افتُتحت السورة بالطارق الذي يأتي على غفلة، وخُتمت بمهلة قصيرة يأتي بعدها ما يُشبه طَرْق الطارق في مفاجأته. وموقع الآية من السورة موقع الخلاصة العملية؛ إذ كل ما تقدم خبر، وهذا وحده أمر؛ فتوجّه الخطاب إلى العمل بعد استكمال العلم؛ وهو منهج قرآني في بناء السور.