عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
تُختم السورة بأربعة أوصاف جامعة: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثامنة عشرة من سورة التغابن، أن المعنى: هو العالم بما غاب عن أبصار الخلق فلم يروه، وما شاهدوه وعاينوه؛ العزيز في انتقامه ممن كفر به، الحكيم في تدبيره خلقه. وذكر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن الغيب ما غاب عن العباد والشهادة ما يشاهدونه، وأنه سبحانه يعلم ذلك كله على السواء لا يخفى عليه من ذلك شيء. وأشار القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، إلى أن ختم السورة بهذين الاسمين بعد الأمر بالإنفاق مناسبة ظاهرة؛ فالعزيز قادر على أن يخلف ما أنفقتم، والحكيم لا يضع الجزاء في غير موضعه. وذكر ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، أن هذه الأوصاف أخبار لمبتدأ محذوف تقديره "هو"، وأن حذفه في مقام التعظيم أوقع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا الختام مقابلاً لمطلع السورة أدق مقابلة؛ فقد افتُتحت بـ{يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، فذُكرت القدرة أولاً وذُكر العلم آخراً؛ وبين المطلع والختام تدور السورة كلها. كما أن ذكر العلم بالغيب والشهادة هنا هو نظير قوله في أول السورة {وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}؛ فرُدّ عجز السورة على صدرها. ووجه مناسبته لما قبله ظاهر: فقد تقدم الأمر بالتقوى والإنفاق، وهي أعمال يخالطها السر والعلانية، ويحتاج صاحبها إلى من يعلم ما خفي منها، وإلى من يقدر على إخلاف ما أُنفق، وإلى من يضع الجزاء موضعه.